اليوم الوطني .. يوم الإرادة وإكمال المسيرة

منذ 86 عاماً، وفي الثالث والعشرين من شهر سبتمبر، عام 1932م، أعلن الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، وذلك بعد أن اجتمعت القلوب على وطن واحد، وانصهرت القبائل في شعب أصيلٍ ومتّحد، متمسكاً بثوابت الشرع، ومحافظاً على كافة القيم الإنسانية، ويسعى دائما إلى التقدم، لتصبح هذه الذكرى الخالدة علامة فارقة في تاريخ البلاد، ونقطة للانطلاقة الكبرى نحو التقدم والرفاهية.

اليوم، ونحن نعيش ذكرى توحيد المملكة، تتراءى أمامنا تلك الجهود المضنية، والحكمة المتناهية، التي بُذلت في سبيل جمع شتات الوطن، لتتجلى حكمة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- ويصبح هذا الجهدُ نموذجاً يؤكد أنه لا مستحيل مع وجود الإرادة والنية الصادقة، وأنّ كُلّ أمرٍ ممكنٍ إذا توفرت العزيمة والثقة في الله تعالى وحسن التوكل عليه، حتى نصل جميعاً إلى بر الأمان، رافعين راية الأوطان عاليةً خفاقة.

لقد جمع الملك عبدالعزيز -رحمه الله- قلوب أبناء وطنه وعقولهم على هدف واعد نبيل، حمل لواء التقدم، في سباق مع الزمان والمكان لعمارة الأرض وإرساء قواعد وأسس راسخة لبناء وطن شامخ، وفق كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمين صلى الله ‌عليه وسلم .

لم يتوانى ملوك البلاد في إكمال المسيرة المباركة، لتنمية البلاد وصنع التقدم، وتطوير الاقتصاد وفق أسس جديدة تتماشى مع معطيات العصر، وتواكب أفضل النظريات الحديثة، بما يحقق أهداف المملكة، التي ترى في التنمية تحدياً لا بد من مجابهته لمصلحة الإنسان، وللحفاظ على المقدسات الإسلامية التي شرّفنا الله، تعالى برعايتها وخدمة قاصديها.

في هذه الذكرى المباركة، ونحن نتفيأ الآن، ظلال الأمن والأمان والاستقرار، نتذكر كيف توحدت القلوب على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحولنا من قبائل متناحرة إلى شعب متحد، يسير نحو التنمية بخطى ثابتة، مؤتمّاً بهدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ونتأمل تلك الجهود التي أثمرت أمن وأمان كل مواطنٍ وزائرٍ ومعتمرٍ وحاج.

لقد شهد هذا العهد المثمر تعزيزًا بارزًا لدور ومكانة المملكة وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي، وبما يتوافق مع مبادئها الثابتة وتاريخها المشرف في دعم جميع القضايا العربية والإسلامية العادلة، بهدف تشييد وطن عادل وصادق يضئ خارطة الضمير العالمي، بمبادئه الثابتة وخطاه الواثقة.

إنّه وطن عامر بالإيمان بالله، متسلح بعقيدة نقية، ومتزود بالعلم والمعرفة، يزدهر بأفضل سبل العيش والرفاهية، وينعم بوافر الأمن الأمان، ويطمح دائما في مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

نتذكر اليوم هذه الانطلاقة المباركة باعتزاز وتقدير للملك عبدالعزيز-رحمه الله-، ولأبنائه الذين حملوا مشعل الحضارة والتقدم، وعملوا على استكمال المسيرة في هذه البلاد المترامية الأطراف، من نشرٍ للفضائل، وترسيخٍ لقيم الحق والعدل، ومحافظةٍ على مشعل التوحيد ونور السنة النبوية، وحمايةٍ للشباب من رذائل المجتمعات الحديثة، وصدٍّ لحيل شياطين العصر، سواءً ما يتعلق بموجات التغريب أو التطرف، فكانت المملكة "أمةً وسطاً"، متمسكة بحبل الله المتين، لا تحيد عن كتابه تعالى ولا تستظل بغير سنة نبيه الكريم، فكان الخير كلُّ الخير في وحدةٍ أصيلة حققت الأمن والأمان بفضل من الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل جهد وعمل دؤوب وإخلاصٍ كبير.

إننا نستلهم اليوم، من ذكرى توحيد المملكة، قيم الإيمان والهمة والعزيمة، ومواصلة العمل والعطاء للرقي وطنًا وشعبًا وأمةً، خاصةً ونحن نرى كثيراً من الباحثين وهم يقفون وقفة تأمل وإعجاب بتاريخ هذا الكيان الشامخ، وتخطيه كافة العوائق والتحديات، حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، بالإيمان القوي والوعي التام بوحدة الهدف وصدق التوجه في ظل تحكيم شرع الله والعدل في إنفاذ أحكامه.

إن الايام الوطنية للدول مناسبة هامة لاستذكار الأمجاد والبطولات، وفاءً لما بذله الآباء والأجداد من جهد وعمل، حتى ورثت الأجيال منجزاتهم، كما أنها مناسبة لاستلهام تجربتهم وإخلاصهم الوطني، ومناسبة كذلك للعمل وتحقيق التقدم والرقي واستكمال مسيرة العدل والتنمية، والدفع باتجاه مستقبل أزهى وأبهى.

لقد بذل الأولون جهداً يستحق الوقوف، ورسموا تجربة تستحق التأمل، وأرسوا قواعد لدولة ملهِمة لفنون العطاء، تستحق الإشادة والفخر والاعتزاز، ويحق للمواطنين الآن أن يحتفلوا ببلادهم، وأن يفخروا بأصالة تاريخهم، وأن يشيدوا بمنجزات واقعهم، تلك المنجزات التي تتحقق كل يوم، والتي رسخها الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- مروراً بأبنائه الكرام الذين واصلوا مسيرة العطاء، ووصولاً إلى جهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه-، يسانده ويعاضده سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز وسمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهم الله جميعا-

يشرق اليوم الوطني الـ86 للمملكة العربية السعودية، وهو يحمل ثمار أعوام التنمية التي ظهرت آثارها في كل أرجاء الوطن، وشملت كل مناحي الحياة فيه، وعملت على معالجة معظم القضايا والتحديات، بما يضمن رفاهية المواطنين وتوفير سبل العيش الكريم.

وبينما يستعيد اليوم الوطني، الذاكرة المجيدة لتوحيد المملكة العربية السعودية، مستلهما الدروس والعبر، يواصل خادم الحرمين الشريفين، بناء حاضر البلاد على أسس متينة من المبادئ والقيم التي قامت على الشريعة السمحاء، واتخذت من كتاب الله وسنة رسوله منهجاً ودستوراً.

لم تزل مشاريع التنمية، قائمة بجد وجهد غير مسبوق، تواصل الليل بالنهار، في كل المجالات، إضافة إلى عمليات التطوير المتدرج والمدروس والتي تشمل القطاعات الاكثر اهميه وحيوية للمواطنين، وتزداد رسوخا مع الايام، كما أن النجاحات والانجازات والاصلاحات الكبرى تعكس الأواصر الوطنية المخلصة، وتدفع إلى العمل الدؤوب من أجل مستقبل أفضل.

إن هذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعًا والتي تأتي عقب تأدية مئات الآلاف من أبناء العالم الإسلامي لفريضة الحج، ونجاح المملكة في تيسير وتقديم أفضل الخدمات لزوار بيت الله الحرام، من استعدادات وتجهيزات لا يمكن وصفها أو حصرها، لهي حريّةٌ بالتأمل، ودافعة للخطوات الجادة في بناء وطن استطاع أن يحيل الفرقة والتناحر إلى تكاتف ووحدة وتناغم تام، ثم رسخ بناءً يسع العالم كله ويقدم للإنسانية جمعاء نموذجا غير مسبوق، حيث يأتي أبناء المشرق والمغرب طوال العام فرادى وجماعات لتأدية مناسك الحج والعمرة، في أمان تام، كما أن ما يشهدونه من تطوير مستمر لتيسير كافة سبل الراحة والأخذ بمعطيات العلم الحديث يؤكد العقيدة الراسخة لدى القيادة المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين أجمعين وتحقيق أعلى معدلات النجاح، وتقديم أفضل وأرقى النماذج الإنسانية.

إن نموذج الحج الذي قدمته المملكة للعالم، والذي مثَّل حالة فريدة في التاريخ الإنساني كله، إنما يعكس مدى القيم الإنسانية الراسخة، التي تتبناها المملكة، والتي أُسِّست على قواعد إيمانية ثابتة، لم تغب يوماً عن قادة البلاد، الذين سعوا بكل جهدٍ إلى توفير كافة وسائل الراحة والتيسير لزائري بيت الله الحرام، ومسجد نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وخدمة المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها.

تأتي هذه الذكرى المجيدة في مرحلة هامة وحساسة من تاريخ الوطن، تستلزم بذل كافة الجهود المخلصة لاستمرار عجلة التنمية المستدامة الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ قدر المستطاع على المنجزات الكبيرة والمتوجة بالأمن والرخاء، ذلك أن بناء الأوطان إنما يأتي بالجد والاجتهاد، ويتأسس بالعزم والمثابرة، ويقوم على الحب والولاء، ويعلو بالعلم والتنوير، ويستمر بنشر قيم الإنسانية، تلك القيم التي رسخها كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم والتي سار على دربها حكام المملكة، حباً ووفاءً وإخلاصاً لشرع الله تعالى ثم للوطن والمواطن.


أ.د. عبدالعزيز بن سعد العامر

عميد التعلم الإلكتروني والتعليم عن بعد

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

التغطية الإعلامية